ابن قتيبة الدينوري

14

عيون الأخبار

وكتب رجل إلى صديق له : الشوق إليك وإلى عهد أيامك - التي حسنت بك كأنها أعياد ، وقصرت بك حتى كأنها ساعات - يفوت الصفات ؛ ومما جدّد الشوق وكثّر دواعيه تصاقب الدار ، وقرب الجوار ؛ تمم الله لنا النعمة المتجدّدة فيك بالنظر إلى الغرّة المباركة التي لا وحشة معها ولا أنس بعدها . قال الحسن ( 1 ) : المؤمن لا يحيف ( 2 ) على من يبغض ولا يأثم فيمن يحبّ . وقرأت في بعض الكتب : إنه ليبلغ من حسن شفاعة المحبة أنّ الحبيب يسيء فيظنّ به الغلط ويذنب فيحتجّ له بالدّالَّة ( 3 ) ، وذنبه لا يحتمل التأويل ولا مخرج له في جواز العقول . وفيه : كلّ ذنب إذا شئت أن تنساه نسيته وإن شئت أن تذكره ذكرته ، فليس بمخوف . وليس الصغير من الذنب ما صغّره الحبّ ، وإنما الصغير ما صغّره العدل . وليس الذنب إلا ما لا يصلح معه القلب ولا يزال حاضرا الدهر ، وإلا ما كان من نتاج اللؤم ومن نصيب المعاندة ، فأما ما كان من غير ذلك فإنّ الغفران يتغمّده والحرمة تشفع فيه . وكتب رجل إلى صديق له في فصل من كتاب : لساني رطب بذكرك ، ومكانك من قلبي معمور بمحبّتك . ونحوه قول معقل أخي أبى دلف لمخارق :

--> ( 1 ) الحسن : هو الحسن البصري أبو سعيد تابعي كان إمام أهل البصرة وهو أحد العلماء الفقهاء والفصحاء ، شبّ في كنف عليّ بن أبي طالب توفي بالبصرة . ( 2 ) يحيف : يجور ويظلم . ( 3 ) الدالَّة : الحظوة والأمل .